محمد أبو زهرة

282

المعجزة الكبرى القرآن

كلام أولئك الفلاسفة ما يهدى للتي هي أقوم ، وما كان عجز الفلاسفة عن أن يدركوا الشيء الأول إلا من سيطرة أوهام سبقت ، عكرت على الفطرة وضللت العقل ، ولنظريات ضالات قد سيطرت عليهم ، وهي نظرية الأسباب والمسببات ، وتوهموا أنها تنطبق على منشئ الوجود ، كما هي ثابتة في العلة بين الموجودات ، ويتوالد بعضها من بعض ، ويكون لكل شئ سبب ، وهو سبب لغيره ، وهكذا تتتابع الأسباب والمسببات كل سبب يتبع سببا ، وهو نتيجة لسبب ، وتوهموا لهذا أن الأشياء نشأت عن منشئ الوجود نشوء المعلول عن علته ، والمسبب عن سببه ، وتسلسلوا في الأسباب والمسببات حتى ضلوا ضلالا بعيدا ، وجاءت الأديان السماوية موجهة الأنظار إلى اللّه تعالى خالق السماوات والأرض على غير مثال سبق . وهو المبدع ، وهو الفاعل المختار ، وهو القادر على كل شئ ولا يخرج عن واسع علمه شئ . ولا عن محيط قدرته خارج ، يفعل ما يشاء ويختار . وقرر القرآن تلك الحقيقة التي هي هدف العقول ، وأخرجها من تيه الضلال إلى الحق القويم . وسيقت الأدلة على ذلك من الكون وتنوعه ، وأن المقرر عقلا أن السبب يكون من جنس المسبب ، ويكون كهيئته لا يختلف عنها ، وأن الاختلاف إنما يكون لأمر آخر لا بمجرد السببية ، فيبين القرآن الكريم تنوع الأشياء وتنوع الأحوال ، اقرأ قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ( 46 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً ( 47 ) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً ( 49 ) وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً ( 50 ) [ الفرقان : 45 - 50 ] . وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً ( 53 ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ( 54 ) [ الفرقان : 53 ، 54 ] . وإنك ترى من هذه الآيات الكريمة ، بيان تنوع المخلوقات ، ولا شك أن هذا التنوع يتنافى مع كون الأشياء نشأت من المنشئ كما ينشأ المعلول من العلة ، لأن المعلول يجب أن يكون مماثلا للعلة ، غير مختلف عنها ، وهنا نجد اختلاف الموجودات ، من إنسان يتفكر ويتدبر ، وحيوان ينعق ، وطائر يطير ، ومن شمس وقمر يسيران بحسبان .